‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتابات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات كتابات. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 27 يوليو 2009

إيران وحقبة ما بعد الثورة الإسلامية - برهان غليون









كما كانت الثورة الإسلامية في إيران إعلانا عن افتتاح حقبة جديدة في العالمين العربي والإسلامي، سيطرت فيها العقيدة الدينية على الحياة السياسية، حتى في تلك البلدان التي لم تخضع لحكم إسلامي، تشكل الهزة العنيفة التي شهدتها الجمهورية الإسلامية إرهاصا بحقبة جديدة يمكن أن نطلق عليها ما بعد إسلاموية.

"
لم تكن نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة هي السبب في تفجير حركة الاحتجاج الإيرانية الواسعة، ذات الطابع الثوري أي القطعي، وإنما كانت الصاعق الذي فجر قنبلة موقوتة
"
وليس المقصود بما بعد هنا العودة عن إنجازات الحقبة الأولى وإنما تجاوزها، أي الاحتفاظ بما فيها من إيجابي، وضم عناصر جديدة إليها، أو بالأحرى إعادة النظر في مكانة رجال الدين ودورهم في الحياة السياسية، انطلاقا من تجربة غنية وأساسية هي تجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كما جسدتها ولاية الفقيه وأسبقيته السياسية، المعمول بها في طهران رسميا منذ عام 1979.

وبعكس ما يبدو على السطح، لا تشكل حركة الاحتجاج الأخيرة نفيا للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وإنما تعبيرا عن انتصار فكرتها، والحلم المتنامي بتحريرها من أغلالها وإعادة تأسيسها.

من هذا المنظور تمثل الأوضاع الإيرانية الراهنة لحظة تاريخية، وتنطوي على ديناميكية، وتعبر عن خيارات، هي نفسها التي تعيشها المجتمعات العربية، من دون أن تستطيع التعبير عنها، بسبب القهر والكبت السياسيين والفكريين، ومن باب أولى أن تتطلع إلى الخروج منها.

فكما كان العرب سباقين في التعبير عن المرحلة القومية التي عاشتها شعوب كثيرة في العالم الثالث، في الخمسينات والستينات، وأخفقت طهران في الولوج إليها بسبب السيطرة الغربية الطاغية، وهو ما عبر عنه إحباط الحركة المصدقية عام 1953، كانت إيران سباقة في الثمانينات إلى قيادة الحقبة ما بعد القومية.

ومصدر سبقها أنها لم تكن تستطيع تحقيق الاستقلال وتأكيد الهوية الثقافية، من دون أن تبتدع نموذجا سياسيا وفكريا يقطع مع الغرب ويحقق أهداف التقدم التقني والاجتماعي في الوقت نفسه.

وهذا ما جعلها تبدو وكأنها تفتح أفقا جديدا للبلدان النامية، والإسلامية منها بشكل خاص، يحمل فرص إخراج ملايين البشر من الهامشية وانعدام الثقة بالنفس، ويمكنهم من استعادة إنسانيتهم، والمصالحة مع ذواتهم وتاريخهم.

وهذا ما جعل أيضا من إيران منارة قوى الاحتجاج الإقليمية، ودفع قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي إلى الاحتفاء بثورتها الإسلامية بوصفها لحظة من لحظات تاريخ تحرر البشرية.

وكما هو معروف، جاءت الثورة الإسلامية ردا على حداثة قاهرة وسالبة معا، لا تعمل على تحقير الذات والتحلل من الهوية فحسب، ولكنها تحكم على الأغلبية الساحقة من الناس بالفقر بالعطالة والذل والمهانة الأبدية.

وهذا ما عبر عنه وجسده حكم الشاه الذي عمل حارسا للمصالح الغربية، وكان من أقسى النظم وأكثرها فسادا وتمييزا ضد عامة الشعب.

وفي ردها الاعتبار للناس العاديين -الذين احتقرهم النظام الأسبق وهمشهم تماما ورفض أن يعترف بأهليتهم السياسية، أي بمعاملتهم كمواطنين متساوين، وهو مكسب تجاوز في أهميته بكثير المكاسب المادية الأخرى- ردت الاعتبار في الوقت نفسه للعقيدة التي كانوا يحملونها، والتي تشير إلى هويتهم الثقافية، وتعبر عن شخصيتهم التاريخية، في مقابل العقيدة القومية المتعصبة والفكرة الآرية التي ارتبطت بها. وهذا هو جوهر الترابط الذي حصل بين الإسلام والسياسة الإيرانية.

وقصدي أن ما حرك الجمهور الواسع في إيران ضد نظام الطغيان الشاهنشاهي لم يكن، كما سعى رجال الدين إلى تصويره فيما بعد، إتاحة فرصة أكبر لممارسة الشعائر الدينية، ولا صبغ معالم الحياة والعمل والتفكير جميعا بالصبغة الدينية أو الإلهية، ولا كان فرض الحجاب ومراقبة سلوك الأفراد الأخلاقي، ولا بناء جدران تعزل الشعب الإيراني عن العالم باسم القومية أو الدين. ولا كان التسليم بسلطان الولاية الدينية وفرض وصاية رجال الدين على الحياة السياسية.

ففي ما وراء المظهر الديني للحركة الشعبية التي أطاحت بالشاه ونظامه، كان محرك الثورة الإسلامية العميق الانعتاق من حياة الذل والهامشية والتمييز الاجتماعي والثقافي وإسقاط الأهلية السياسية عن أغلبية الشعب بما تعنيه من تكريس مبدأ المساواة واحترام الحقوق الإنسانية في الحرية والمشاركة السياسية.

لكن الدور الذي لعبه الإسلام في تفجير هذه الثورة التحررية وقيادتها، قد حجب عن عيون الناس، إيرانيين وأجانب، مقاصد الثورة الرئيسية ومصدر شرعيتها الحقيقية.

فقد غطت الأيديولوجية الدينية، التي لعبت الدور الأول في بلورة الوعي بالمطالب السياسية والإنسانية من جهة، على عملية المصادرة التدريجية التي تعرضت لها الحركة الشعبية، كما عزز الدور المركزي الذي قامت به الحوزة الشيعية الإيرانية في تنظيم قوى الثورة وتوجيهها وقيادتها من شرعية سيادة رجل الدين وأسبقيته على رجل السياسة من جهة ثانية.

وكان لشخصية آية الله الخميني نصيبها أيضا في دفع الأفراد إلى التسليم بريادة الفقية الولي، واعتباره الأمين على السلطة، والقيم على حسن ممارستها، بما يتميز به من بصيرة وشجاعة ونزاهة وابتعاد عن المصالح الشخصية.

وجاءت الحرب العراقية الإيرانية، التي كانت تتويجا لحروب تدخل خارجية طويلة، مناسبة للتكريس النهائي لولاية الفقيه ووصاية السلطة الدينية، وبالتالي حرمان الناس بشكل أكبر من سيادتهم الشخصية.

"
مع تراجع شرعية النظام الثوري الذي أصبح استمراره يتناقض مع تحقيق مفهوم دولة المواطنة وقانونها، سيصبح من الصعب على أصحابه الحفاظ على توازن السلطة وإعادة إنتاجها من دون توسيع دائرة استخدام العنف والقمع والحد من الحرية
"
لم يساعد هذا الوضع الجمهورية الإسلامية على انتهاج الطريق الذي كان متوقعا لها، ودفعها إلى الانخراط بشكل متواصل في طرق مسدودة حطمت شيئا فشيئا جميع الآمال التي كانت معقودة عليها.

وستعقب حقبة الإنجازات الكبرى حقبة ثانية طويلة من الإحباط والعجز عن الوفاء بالوعود المعقودة، والتورط المتزايد في سياسات المزايدة القومية والدينية والمواجهة الخارجية.

ولم تلبث الثورة الإسلامية أن فقدت بوصلتها، فصار الحفاظ على الهوية الدينية، التي تبرر سيطرة النخبة القائمة وتضفي عليها الشرعية، غاية بديلة عن تحرير الأفراد وتحسين شروط حياتهم الإنسانية، وصار البحث عن القوة والعظمة إستراتيجية الدولة الأولى المقدمة على برنامج تحقيق المواطنة الحقيقية، وأصبح الحفاظ على النظام الثوري وضمان أمنه أولوية وجودية، وتعويضا عن الفشل في بناء شروط المساولة وتحرير الفرد من الاستلاب لسلطة خارجية.

فلن يتأخر الوقت قبل أن تظهر الهرمية الجديدة في السلطة، مع ما يعني ذلك من إعادة بناء علاقات السيطرة والإخضاع، والمشاركة والاستبعاد لشرائح اجتماعية مختلفة.

وكما سيحرم الحصار الذي فرض عليها، كباقي الثورات التاريخية، الثورة الإيرانية من توفير شروط التنمية الاقتصادية والاجتماعية الضرورية للرد على حاجات السكان، سيساهم التفاوت المتزايد في ممارسة الحقوق والحريات الموعودة -الذي ارتبط بطابعها الديني والمذهبي- في تنامي التوترات والتناقضات والاحتقانات.

هكذا لم تكن نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة هي السبب في تفجير حركة الاحتجاج الإيرانية الواسعة، ذات الطابع الثوري أي القطعي، وإنما كانت الصاعق الذي فجر قنبلة موقوتة.

ولا يغير في مغزى ما حصل عدم حصول تزوير في الانتخابات بل إنه يفاقمه ويبرز بشكل أكبر مدى الانكشاف السياسي والأيديولوجي لنظام الملالي الإيرانيين، ونفاد صبر قطاعات واسعة من الرأي العام الإيراني وتوقها الشديد إلى التغيير وقطعها تماما مع أوهام الجمهورية الإسلامية ووعودها.

عوامل عديدة ساهمت في سقوط الأوهام، وتنامي الشعور بمصادرة الثورة من قبل فئات المصالح وأصحاب النفوذ، وسعيهم إلى تجميد الأوضاع في مكانها، وحرمان الآخرين، إلا ما كان على سبيل الدعاية والرشوة الجماعية، من ثمرات تضحياتهم.

من هذه العوامل رئاسة أحمدي نجاد وما اتسمت به من تشدد ديني وسياسي داخلي، ومن تكريس سيطرة النخبة الدينية وتعزيز مواقعها ودورها في توجيه دفة السياسة الوطنية الداخلية والخارجية، والتراجع التدريجي عن الحريات المكتسبة، والعمل بصمت على إعادة إنتاج النظام القمعي التقليدي المستند إلى أجهزة الأمن والمليشيات الخاصة التابعة للنخبة الحاكمة.

وهذا ما أثار تململا داخل العديد من الأوساط الاجتماعية الميالة إلى التسامح والتعامل الطبيعي مع العصر وقيمه ومراكز الحضارة العالمية، بما في ذلك بعض أطراف النخبة الدينية التي تخشى مركزة السلطة جميعا في يد الولي الفقيه وذراعه الرئاسية. ومنها أيضا التبدل الإيجابي الذي حصل على صعيد السياسة الإقليمية نتيجة الإخفاق الذريع لإستراتيجية جورج بوش العدوانية، وتبني الإدارة الأميركية الجديدة إستراتيجية التهدئة، ومدها يد المصالحة إلى العالمين العربي والإسلامي، وإعلانها عن رغبتها في الانفتاح على طهران والحوار الجدي معها في سبيل التوصل إلى تسوية في مسألة التقنية النووية.

لكن بداية انحسار عصر الثورة الإسلامية لا يعني أبدا نهاية النظام، وأقل من ذلك زوال نفوذ الدولة الإيرانية أو تهديد وجودها، فالنظام مجموعة قوى ومصالح متآلفة، أصبحت مستقرة بمعزل عن المبادئ الثورية والشعارات والقيم الملهمة الدينية والقومية. وهي لا تزال تملك هنا وسائل لا حد لها للدفاع عن نفسها والاحتفاظ بالسيطرة السياسية.

إنها تعني تراجع الثورة لصالح الدولة. وهذا بمعنيين، الأول تآكل الرصيد المعنوي والأخلاقي والفكري للنظام الثوري، والثاني بروز مطالب الحرية والمساواة والحياة القانونية السليمة التي تميز الدول الحديثة الناجزة، أي العودة إلى حياة دستورية طبيعية وعادية ونموذجية والقطع مع الأوضاع الاستثنائية المرافقة للثورات.

ومع تراجع شرعية النظام الثوري الذي أصبح استمراره يتناقض مع تحقيق مفهوم دولة المواطنة وقانونها، سيصبح من الصعب على أصحابه الحفاظ على توازن السلطة وإعادة إنتاجها من دون توسيع دائرة استخدام العنف والقمع والحد من الحرية.

"
إذا نجحت إيران في أن تشق لنفسها طريقا جديدة للمستقبل، فسيكون ذلك، من دون شك، فاتحة تحرر المنطقة برمتها من أزمتها الفكرية والسياسية التي لعبت الثورة الإسلامية الإيرانية دورا رئيسيا فيها
"
وهذا هو الثمن الحتمي لانحسار الشرعية، أي لتراجع رصيد الولاء الطوعي وروح الانتماء والتماهي مع السلطة، إيمانا بثوريتها، أي بنزاهة أهدافها وإنسانيتها، وهو الرصيد المعنوي والرمزي الذي يزود الثورات عموما بقوة دفع استثنائية في حقبتها الأولى.

وفي موازاة اللجوء المتزايد للعنف للحفاظ على الوضع القائم، ستجد السلطة الإسلاموية نفسها مكرهة أكثر فأكثر على الانكفاء على العصبية، وتغذية مشاعر التضامن البدائية ضد الغريب والمختلف والأجنبي، على حساب قيم الحرية والمساواة والأخوة الإنسانية، وذلك حتى تضمن استمرارها وتعوض عن انحسار صدقية مشروعها وشرعيتها معا.

لا يختلف ما تعيشه الثورة الإسلامية في إيران اليوم عما عرفته في الخمسينات والستينات جميع الحركات والثورات الشعبية، الاشتراكية والقومية في منطقتنا، وفي البلاد الأخرى، على حد سواء. فهي تتعرض اليوم لمراجعة قوية وعميقة الجذور يصعب استئصالها.

لكن بعكس ما حصل في البلاد العربية التي نجحت النخب القومية والثورية في تدجينها وفرض الموت السياسي عليها، لن تستطيع سلطة الملالي مقاومة المعارضة الشعبية لفترة طويلة. وسوف تضطر عاجلا أم آجلا إلى الانفتاح على مطالبها التحررية، أو تحكم على نفسها بالهلاك وعلى إيران بالتخبط في وحول ثورة انحرفت عن أهدافها، تماما كما تتخبط المجتمعات العربية منذ عقود طويلة في رواسب ثورة "قومية" مخفقة وتدفع غاليا ثمن إجهاضها.

فقد احتاجت النخب العربية القومية والثورية بالذات إلى نصف قرن من العنف الأعمى وعمليات الاغتيال وحروب التطهير السياسي، وحملات الانتقام والتأديب لإخماد الانتفاضات الشعبية، وتأبيد نظام الأحكام العرفية وحالة الطوارئ، حتى تتمكن من القضاء على أوهام الحرية والعدالة والمساواة والكرامة التي فجرتها الحركة الشعبية، وحتى تعيد الجماهير التي كانت تتغنى بنضالاتها إلى "أوكارها"، وتنسيها معنى الحقوق المدنية والسياسية.

ولا تزال هذه الحرب مستمرة إلى اليوم، إذ ماذا يعني نظام الديكتاتورية، التي تكاد تصبح ماهية السياسة في بلادنا، غير تنظيم حالة الحرب هذه ومأسستها في سبيل إدامة أوضاع السيطرة اللاشرعية فترة أطول وزيادة فعالية الحكم بالقوة وردعيته معا.

وفي اعتقادي، ليس هناك أي حتمية في أن تنجح سلطة الملالي في قهر إرادة التحرر لدى الشعوب الإيرانية وتعريض إيران إلى مخاطر التخبط والفوضى والاقتتال الأهلي الذي يميز دول المنطقة العربية.

وإذا نجحت إيران في أن تشق لنفسها طريقا جديدة للمستقبل، فسيكون ذلك، من دون شك، فاتحة تحرر المنطقة برمتها من أزمتها الفكرية والسياسية التي لعبت الثورة الإسلامية الإيرانية دورا رئيسيا فيها.


المصدر: الجزيرة


http://www.aljazeera.net/NR/exeres/C9DD117C-0DA7-4DBD-A51F-54832A3FA46B.htm

الثلاثاء، 30 يونيو 2009

أزمة إيران من الأرصفة إلى الأروقة..فهمي هويدي


صحيح أن الشارع هدأ في طهران، لكن تداعيات الأزمة انتقلت من الأرصفة إلى الأروقة، مخلفة في الفضاء الإيراني، وفي المنطقة بأسرها، أسئلة كثيرة تبحث عن تفسير لما جرى وتقدير لما سيجرى.

(1)

هذه الأيام لن تعدم أصواتا تسمع في شمال طهران عندما يحل الظلام تطلق الهتاف «الله أكبر»، وقد يتجاوب معها آخرون مرددين الهتاف ذاته، وربما أضاف البعض كلمات أخرى تقول (مرك بر خامنئي، أي الموت لخامنئي)، وهو ما يتلقفه المراسلون الأجانب في تقارير قرأتها، لكي يستدلوا به على أن جذوة التمرد على النظام والانقلاب عليه لم تهدأ، والخبر صحيح لا ريب، لكن تأويله فيه من التمني أكثر مما فيه من قراءة الواقع، لأن شمال طهران هو عالم الأثرياء والقادرين الذين ظل أغلبهم معارضين للثورة ونافرين منها ومتصيدين لها منذ قامت قبل 30 عاما، مثل هذه الهتافات لا تسمع في الأحياء الشعبية في جنوب طهران، ولا أثر لها في طهران الكبرى التي تضم عشر مدن ونواحٍ (طهران إسلام شهر- دماوند- ري- فيروزكوه- شهريار- كرج- رباط كريم.. إلخ).

"
حين يقول أنصار موسوي إنه فاز بثلثي الأصوات فإنهم يسجلون حقيقة وقعت بالفعل، لكنهم حين يعممون النسبة على بقية مدن إقليم طهران، أو على بقية الأقاليم الإيرانية الثلاثين فإن ذلك يصبح بداية الخطأ في الحساب
"
لا أستبعد أن تكون القراءة المغلوطة لما شهدته طهران قد أسهمت في إشعال نار الغضب الذي رأيناه، لأن النخبة تعارفت كما ذكرت قبلا على اعتبار مدينة طهران مرآة المزاج الإيراني وبوصلته، الفائز فيها يحسم الأمر ويصبح فائزا في كل إيران، وهذا ما حدث في الانتخابات الأخيرة، فقد فاز مير حسين موسوي على أحمدي نجاد بثلثي الأصوات في المدينة، لكن الموقف تغير حين تم فرز أصوات طهران الكبرى بمدنها العشر، إذ تفوق الثاني على الأول بمائتي ألف صوت، ولهذا فحين يقول أنصار موسوي إنه فاز بثلثي الأصوات فإنهم يسجلون حقيقة وقعت بالفعل، لكنهم حين يعممون النسبة على بقية مدن الإقليم، أو على بقية الأقاليم الإيرانية الثلاثين فإن ذلك يصبح بداية الخطأ في الحساب، الأمر الذي يضع يدنا على شرارات الغضب الأولى.

لقد كان سكان الأحياء الشعبية والمناطق النائية هم الكتلة التصويتية التي رجحت كفة أحمدي نجاد، وهو ما يدفعني إلى عدم التسليم بدعوى تزوير نتائج الانتخابات، لأن فارق الأصوات بين أحمدي نجاد وموسوي 12 مليون صوت لصالح الأول، وتزوير تلك الأصوات في أكثر من 46 ألف لجنة انتخابية، وفي ظل وجود مندوبين للمرشحين أمر ليس سهلا، وهو يحتاج إلى قرار مركزي من المرشد السيد علي خامنئي، وتلك خطوة إذا تمت فإنها تعد مغامرة كبرى من جانبه تهدد نزاهته وعدالته، فضلا عن أن الرجل لم يلجأ إلى هذا الأسلوب طوال العشرين سنة الماضية، وهذا لا ينفي بالضرورة احتمال اللعب في الفرز في بعض الدوائر بسبب ضغوط محلية أيا كان مصدرها (كما حدث في حالة بوش وآل غور مثلا)، لكن ذلك اللعب يتعذر عليه أن يحدث الفرق الكبير بين الرجلين، لكن يبدو أن التعبئة الإعلامية الهائلة التي أثارت مسألة التزوير، والتي أسهمت فيها أجهزة الإعلام الخارجية بدور كبير ومثير، نجحت في أن تحول الادعاء إلى مسألة مسلم بها ومفروغ منها.

(2)

مَن هؤلاء الذين خرجوا في المظاهرات؟ لا مفر من الاعتراف بأن هذه هي المرة الأولى منذ قيام الثورة التي تنطلق فيها مظاهرات بهذا الحجم معبرة عن الغضب والاحتجاج على الحكومة والمرشد، صحيح أن جامعة طهران شهدت مظاهرات قوية في عام 99، أثناء رئاسة السيد محمد خاتمي، هتف فيها الطلاب ضد المرشد وهم يطالبون بمزيد من الحريات، ولكن تلك المظاهرات اقتصرت على الطلاب وتم احتواؤها حينذاك.

لكن فيما يتعلق بما جرى هذه المرة، يتعذر تصنيف جميع المتظاهرين تحت عنوان واحد، وإن ظل «الغضب» يمثل قاسما مشتركا بينهم، سواء كان غضبا للبعض من النتيجة التي أسفرت عن خسارة موسوي، أو غضبا من الضغوط السياسية التي تضيق بها صدور الشباب الذين يتطلعون إلى توسيع هامش الحريات العامة، علما بأن نسبة غير قليلة من أولئك الشبان ولدوا بعد الثورة ولم يعيشوا عهد الشاه. وقيل لي إن منهم من لم يقتنع بأسباب اشتباك بلادهم مع السياسة الأميركية. ثمة آخرون غاضبون من وطأة الغلاء وقسوة أعباء المعيشة أو البطالة.

"
نتائج الانتخابات لم تكن السبب الوحيد لخروج المظاهرات، وإنما كانت المناسبة التي استدعت هذه الفئات جميعها إلى الشارع, ولذلك يتعذر اعتبارها قرينة على اتساع نطاق المقتنعين بتزوير الانتخابات، أو معيارا لقياس حجم المؤيدين لموسوي
"
وهناك مجموعات أخرى ليبرالية تعارض فكرة ولاية الفقيه وتسعى إلى إعادة النظر في الأسس الدستورية للجمهورية، وفيما علمت فقد تبين في وقت لاحق أن عناصر سنية وعربية وكردية قومية نشطة اشتركت في المظاهرات، بعدما جذبتها وعود السيد موسوي التي ركزت على إعطائهم مزيدا من الحقوق، والذي لا شك فيه أن ضغوط الخارج كان لها دورها في تأجيج الغضب وإشاعته.

والخارج الذي أعنيه يتراوح بين المعارضين الإيرانيين وأنصار النظام السابق -الذين سلط عليهم الإعلام الغربي أضواءه القوية- وأوساط المخابرات الغربية التي ألقت بثقل كبير في عملية التحريض ومحاولة تفجير الموقف في الداخل. لذلك فإنها لعبت دورا نشطا في تصعيد وتشجيع الحركة الاحتجاجية، سواء بواسطة دس العملاء أو من خلال حملة التعبئة والتشبيك الواسعة النطاق التي استخدمت أحدث تقنيات الاتصال (تويتر- فيس بوك- يوتيوب). وهى الحملة التي توازت مع إطلاق سيل البرامج المقدمة باللغة الفارسية التي شرعت الإذاعات والفضائيات الغربية في تقديمها في اليوم التالي مباشرة لإجراء الانتخابات وقبل إعلان نتائج الفرز رسميا.

هذه الخلفية تسوغ لي أن أقول إن نتائج الانتخابات لم تكن السبب الوحيد لخروج المظاهرات، وإنما كانت المناسبة التي استدعت هذه الفئات جميعها إلى الشارع، ولذلك يتعذر اعتبار تلك المظاهرات قرينة على اتساع نطاق المقتنعين بتزوير الانتخابات، كما يتعذر اعتبارها معيارا لقياس حجم المؤيدين لمير حسين موسوي.

(3)

لأن المرشحين الثلاثة الذين نافسوا أحمدي نجاد (موسوي- كروبي- رضائي) من أبناء الثورة الشرعيين، فقد أطلقت شائعة في قم اتهمت أحمدي نجاد الذي هو من جيل لاحق بأنه من جماعة «المهدويين» الذين يسعون إلى تخريب الثورة، لعدم اقتناعهم بولاية الفقيه، وتمسكهم بانتظار الإمام المهدي الغائب. وهى جماعة نشطت بعد قيام الثورة، ولكنها لوحقت حتى اختفت ولم يعد لها دور يذكر منذ ربع قرن. الذين أشاعوا الحكاية أرادوا فيما يبدو أن يؤلبوا الحوزة العلمية على أحمدي نجاد، ويدفعوا أركانها إلى الانقلاب عليه. وهي الحيلة التي نجحت في خمسينيات القرن الماضي عقب انقلاب رئيس الوزراء محمد مصدق على الشاه، حين اتهمه اثنان من الصحفيين بأنه من أعضاء الحزب الشيوعي. وأدى الترويج للتهمة إلى انقلاب فقهاء قم -وعلى رأسهم آية الله كاشاني المرجع الكبير- على الرجل، وسحب تأييدهم له، مما ترتب عليه سقوطه وعودة الشاه من منفاه خارج البلاد.

يقول البعض في طهران إن انتشار الشائعة كان أحد الأسباب التي شجعت السيد علي خامنئي على أن يلقي خطبة الجمعة يوم 19/6 التي أعلن فيها تأييده لأحمدي نجاد، وهو ما اعتبر تكذيبا لدعوى انتمائه إلى «المهدويين»، حيث لم يكن معقولا أن يؤيد مرشد الثورة عضوا في جماعة تسعى إلى تخريبها.

"
الانقسام وصل إلى صلب المؤسسة الدينية، حيث أصبح بعض المراجع يؤيدون موسوي، في حين أيد البعض الآخر نجاد، الأمر الذي يعني أن الانقسام انتقل من الشارع إلى النخبة، ومن المجتمع إلى السلطة صاحبة القرار،  وهذا وضع لا سابقة له في تاريخ الثورة الإسلامية
"
ليس معروفا مصدر الشائعة، وإنما دلالتها هي المهمة. ذلك أن الأضواء سلطت منذ إعلان نتائج الانتخابات على المتظاهرين في الشارع الإيراني، لكن التفاعلات الحاصلة في دوائر صناعة القرار، خصوصا المراجع والفقهاء، لم تنل حظها من الاهتمام، وقد بدأت تلك التفاعلات تطفو على السطح حين هدأت المظاهرات، وبدا واضحا أن كل طرف لا يريد أن يتزحزح عن موقفه (مجلس صيانة الدستور رفض دعاوى التزوير وفكرة إعادة الانتخابات، وموسوي وكروبي يتمسكان بطعنهما في النتائج ويطالبان بالإعادة)، وهو ما استدعى تدخل طرف ثالث للبحث عن مخرج من الأزمة.

ضاعف من أهمية تدخل الطرف الثالث أن الانقسام وصل إلى صلب المؤسسة الدينية، حيث أصبح بعض المراجع يؤيدون مير موسوي، في حين أيد البعض الآخر أحمدي نجاد، الأمر الذي يعني أن الانقسام انتقل من الشارع إلى النخبة، ومن المجتمع إلى السلطة صاحبة القرار. وهذا وضع لا سابقة له في تاريخ الثورة الإسلامية.

من البداية التزم بعض مراجع قم الصمت إزاء ما جرى، وكان ذلك موقفا غير مألوف، وحين سألت عن السبب في ذلك، قيل لي إن الصامتين هم المعارضون لأحمدي نجاد، ولكنهم فضلوا عدم الإعلان عن مواقفهم، لأنهم لا يريدون أن يظهروا في العلن خلافهم مع المرشد الداعم له. الوحيد الذي جهر بموقفه كان آية الله منتظري المعروف بنقده المستمر للأوضاع القائمة. أما الآخرون من أمثال آيات الله نوري همداني ويوسف صانعي وموسوي أردبيلي وغيرهم فلم يتكلموا بشيء، وحمل سكوتهم على أنه من علامات عدم الرضا.

المعلومات المتوافرة تشير إلى أمرين، أولهما أن العلماء والشخصيات من ذوي العلاقة الحسنة بالطرفين يواصلون السعي بين الجانبين للتوصل إلى مخرج سياسي يهدئ الأوضاع ويحتوي الانقسام الراهن. ويؤدي الشيخ هاشمي رفسنجاني دورا محوريا في هذه الاتصالات، ذلك أنه محسوب حقا على مجموعة مير موسوي، إلا أنه على تفاهم جيد مع السيد خامنئي. وفي هذا السياق يذكر أيضا أن رئيس لجنة الأمن القومي بمجلس الشورى الدبلوماسي السابق علاء البروجردي يبذل جهدا موازيا في الوساطة.
أما الأمر الثاني فهو أن الكلام كله يدور في حدود ضرورة الالتزام بالقانون والعمل من خلال مؤسسات الدولة في أي محاولة لتجاوز الأزمة، (رفسنجاني تدخل علنا لأول مرة، وأصدر بيانا بهذا المعنى يوم السبت الماضي (27/6) باسم مجمع تشخيص المصلحة).

(4)

لا أحد يستطع أن ينكر أن ما حدث أثر على صورة النظام في الخارج، وربما دفع الدول المشتبكة مع إيران إلى المراهنة على أوضاع وقوى في الداخل يمكن استثمار موقفها في ممارسة الضغوط على السلطة. وبالمثل فإن أحدا لا ينكر أن التعبئة الواسعة النطاق التي حدثت والإشارات التي أرسلت إلى المتظاهرين موحية لهم بأن الخارج يقف معهم ويؤازرهم، هذه التعبئة سلحت العناصر المحركة للمظاهرات بمزيد من الجرأة على النظام وعلى الولي الفقيه. وبذات القدر فإن الشرخ الذي حدث في صف النخبة -والعلماء بوجه أخص- أصبح يحتاج إلى حكمة شديدة ووقت طويل لعلاجه وإعادة لحمته.

"
أبرزت الأزمة في إيران الحاجة الملحة إلى تقنين الأحزاب السياسية، لأن الأوراق اختلطت وتداخلت بحيث لم يعد يعرف من هم الإصلاحيون ومن هم المحافظون، علما بأن كل فريق يضم ما بين 10 و15 مجموعة
"
على صعيد آخر، ثمة أوضاع داخلية عدة باتت بحاجة إلى إعادة نظر، فقد أبرزت الأزمة الحاجة الملحة إلى تقنين الأحزاب السياسية، لأن الأوراق اختلطت وتداخلت بحيث لم يعد يعرف من هم الإصلاحيون ومن هم المحافظون، علما بأن كل فريق يضم ما بين 10 و15 مجموعة، وكان واضحا أثناء الانتخابات أن الناس يصوتون لأشخاص وليس لأحزاب وبرامج سياسية، موسوي ليس له حزب، وكروبي استعان بجماعة رفسنجاني «كوادر البناء» لكي يقوموا بحملته، رغم أن له تجمعا صغيرا باسم «اعتماد ملي» (إرادة الأمة)، ومن ناحية أخرى فإن أسباب الغضب الذي تستشعره بعض الفئات -خصوصا قطاع الشباب- تحتاج إلى علاج.

أكرر أننا نتحدث عن الشأن الداخلي الإيراني، فنفتح ملفات ونخوض في أمور لا نستطيع أن نتطرق إليها فيما يخص أقطارا عربية أخرى، ومنها ما لا يجرؤ مواطنو الدولة أنفسهم على الحديث فيها. لكن أهمية التجربة الإيرانية ومواقفها الشجاعة في مواجهة الهيمنة الأميركية والاحتلال الإسرائيلي، جعلت الشأن الإيراني برمته شاغلا للجميع.

استوقفني في السياق الذي نحن بصدده مقال كتبه باتريك سيل الكاتب البريطاني المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، قال فيه إنه لا يسع أحدا الآن أن يصدق أن ذلك المجتمع الناضج والحي والشفاف الذي يناضل من أجل العدالة والديمقراطية يرغب في أن يسيطر على الشرق الأوسط.. وعوضا عن أن تكون إيران مصدر خوف، فقد تصبح مصدر وحي للشعوب في الشرق الأوسط التي يعيش معظمها في ظل أنظمة سياسية مستبدة ومتحجرة (الحياة اللندنية -264/6)- ما رأيكم دام فضلكم؟

المصدر: الجزيرة
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/CE29E8C8-9DAD-4CE1-A922-2895704AA488.htm

هيكل: النظام الإيراني ليس مهدَّدا

الجزيرة


قال الكاتب والمفكر المصري محمد حسنين هيكل إن النظام الإيراني ما يزال متماسكا، ولا تشكل المظاهرات الأخيرة التي نظمها المحتجون على نتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت في البلاد أي تهديد له، برغم أنها عرضته لفضيحة لا لزوم لها ومسته في هيبته.

وأضاف هيكل في حلقة خاصة من برنامج "مع هيكل" مساء الاثنين حول الأحداث في إيران التي تلت الانتخابات أن نظام الثورة الإسلامية الإيرانية "لا يزال راسخا ولديه رواسيه على الأرض" مؤكدا أنه نظام غير مهدَّد "لأنه قوي وليس له بديل" في الوقت الحالي.

لكنه أردف أن الحملة الانتخابية والمناظرات بين المرشحين كشفت عن مشكلات شخصية، وتناقضات بين السياسيين الإيرانيين رغم ولائهم جميعا لنظام الثورة الإسلامية.

هجوم بأوهام
واعتبر أن أغلب من يهاجمون إيران –وخصوصا في العالم العربي- يهاجمونها بناء على أوهام، وأن النظام الإيراني لن يتراجع أمام الاضطرابات التي شهدتها البلاد في الأيام الأخيرة، لأن مثل هذا التراجع إن بدأ فلن تكون له نهاية، حسب تعبيره.

ودعا هيكل دول المنطقة إلى البحث عن المصالح المشتركة مع إيران وتقويتها، وقال "علينا أن نسبق إسرائيل وأميركا إلى إيران لأنها عنصر مهم جدا في الميزان الإستراتيجي بالمنطقة".

وعبر الكاتب المصري عن قناعته بأن الاهتمام بإيران هو اهتمام بالأمن القومي في المنطقة، وأن لهذا البلد موقعا إستراتيجيا "لا يدانيه أي موقع آخر إلا موقع مصر".

لكن هيكل أشار إلى أن الذي حصل في إيران "أثر على هيبة النظام الإيراني" الذي قال عنه إنه "تعرض لفضيحة لا لزوم لها".

حرب بلا حدود
وكما أن هناك أخطاء داخلية حصلت في إيران –يقول هيكل- فإنه من الصعب أيضا إنكار تدخل أياد خارجية في الاضطرابات الأخيرة التي شهدها البلد، وقال إن النظام الإيراني "ووجه بما لم يكن يتوقعه".

ونبه هيكل على أن آلاف مواقع التويتر على الإنترنت تأسست أياما قبل الانتخابات الإيرانية واستعد أصحابها لإرباك النظام وتأجيج الغضب ضد النتائج التي ستعلن، مضيفا أن كثيرا من هذه المواقع انطلق من إسرائيل.

هيكل قال إنه لا يمكن نفي الدور الخارجي في احتجاجات إيران (الفرنسية-أرشيف)
وأكد أن النظام الإيراني "يتعرض لحرب بلا حدود" وأن هناك "سياسة أميركية لتغيير النظام الإيراني" خصص لها الكونغرس أربعمائة مليون دولار سنة 2006، إضافة إلى "تاريخ من العداء بين إيران والغرب".

وذكر هيكل بسياسة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، الذي صنف دول العراق وسوريا وإيران وكوريا الشمالية ضمن ما سماه "محور الشر" وبالخلافات الأميركية مع إيران منذ سقوط نظام الشاه محمد رضا بهلوي سنة 1979.

وقال إن أكبر خسارة تعرضت لها إسرائيل هي قيام الثورة الإسلامية الإيرانية التي "أخذت من الإسرائيليين حليفا قويا هو الشاه".

وأكد أن السياسة الأميركية تجاه إيران لم تتغير حتى في عهد الرئيس الحالي باراك أوباما، مشيرا إلى أن الكونغرس الأميركي أصدر على عهده عدة قرارات لإحكام الحصار السياسي والاقتصادي على إيران، أحدثها صدر في أبريل/ نيسان ومايو/ أيار الماضيين.

المصدر: الجزيرة

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/6901812B-D362-4962-AACF-37DE7C64C2A1.htm

الاثنين، 29 يونيو 2009

إيران وشجون أخرى.. الصورة من زاوية المواطنة.. عزمي بشارة

الجزيرة نت
إيران وشجون أخرى.. الصورة من زاوية المواطنة
عزمي بشارة


أ

1- تختلف منطلقات أوساط جيل إيراني معلمن بتوقه إلى حياة ينحسر فيها تدخل الدين (رجال الدين والدولة باسم الدين) في حياتهم وقراراتهم كمواطنين عن حسابات التيار الإصلاحي السياسية الداخلية والخارجية.

2

"
الادعاء الغربي بالرغبة في الحوار مع إيران لإقناعها بلجم مشروعها النووي، والتآمر عليها داخليا وخارجيا في الوقت ذاته، هو ما يطلق عليه اسم لعبة الدول. يريدون إضعاف إيران في المفاوضات، ولن يذرفوا دمعة إذا سقطت
"
- ويسود تفاوت أكبر بين منطلقات كل منهما وحسابات المحافظين من الشق الذي تضرر من فترة حكم نجاد، وبات يختلف مع طريقه في السياسة الداخلية والخارجية.

3- تختلف مصالحهم داخليا وتلتقي حاليا ضد نجاد، ولصالح إضعاف دور المرشد. ولكن حساباتهم جميعا تلتقي خارجيا في رؤية وطنية لإيران كدولة. وهي دولة تجاوزت نضجا في نظرهم ما يسمى بمبادئ الثورة الإسلامية. ودعم القضايا العربية غير قائم في حساباتهم، خاصة إذا تعارض هذا الدعم مع السعي لكسر الحصار على إيران. وهم يقفون منه موقفا يتفاوت بين الأداتية والتحفظ والعداء.

4- عادة تنسجم النزعة لتعزيز مفهوم المواطنة وواقعها، حقوقا وواجبات، مع تعزيز مفهوم الدولة الوطنية وحدودها وواقعها وهويتها.

5- يخطئ من يعتقد أن التوق إلى تعزيز حقوق المواطنة هو نضال الأغنياء، حتى لو أخذنا بعين الاعتبار أن قواعد الاحتجاج تنشأ بين أبناء الطبقات الوسطى.

6- في الدول الاشتراكية سابقا اتخذ تعزيز المواطنة وتعزيز مفهوم الدولة الوطنية أيضا شكل ارتداد ضد الدور المدفوع (أو المبرَّر فقط) بالأيديولوجيا خارج الحدود الوطنية. ومن هنا الردة لصالح الصهيونية وضد قوى التحرر الوطني في العالم في دول المعسكر الاشتراكي سابقا.

لقد أوهمتهم حكومات الحزب الواحد أن مستوى معيشتهم المتردي ليس ناجما عن جمود رأسمالية الدولة البيروقراطية وانعدام الديناميكية في الإنتاج والتوزيع والعرض والطلب، بل بسبب دعمها للشعوب خارجها. فظهر التردي الاقتصادي وكأنه تضحية مفروضة من أجل الغير. وارتبطت حركات التحرر في أذهان تلك الشعوب بالـ"نومنكلاتورا" والبيروقراطية الفاسدة وانعدام الديمقراطية.

7- وهذا ما سوف يحصل في إيران، على مستوى أوساط واسعة من الرأي العام ضد القضايا العربية، إذا لم تجد الدولة التوازن المناسب بين المواطنة ومهام الدولة داخليا وخارجيا.

نقول هذا مؤكدين ما كتبناه سابقا أن مؤسسات الدولة، والمنافسة السياسية المؤطرة، والرابط المذهبي تشكل عوائق جدية أمام تطور كهذا في إيران. ولكن حين تتمأسس الثورة يصبح العائق الرئيس أمام أصولييها هو تطلعات وحقوق المواطن وتوقعاته من الدولة، ويعقبها دخول هذه التوقعات والحاجات حلبة الصراع السياسي بين القوى المتصارعة على الحكم.

ب

1- الفجوة بين السياسات الخارجية الأميركية والأوروبية وأهدافها في إيران من جهة ومسألة المواطنة في إيران أو في بلادهم ذاتها من جهة أخرى هي أكبر من الموصوفة أعلاه. فالهدف الأميركي والأوروبي هو حاليا وقف برنامج إيران النووي، والتعاون الإيراني الكامل في لبنان وفلسطين والعراق وأفغانستان.

أما داخليا، فحال رفع العقوبات والحصار كتحصيل حاصل لتغير السياسات فسوف يتضح: أن الاقتصاد والمجتمع الإيراني قابل للانسجام مع السوق العالمي، أكثر حتى من دول محيطة به، وأن نمط الحياة سوف يتغير نتيجة لذلك على الأقل بالاتجاه الذي يحلم به أبناء الطبقات الوسطى، وأن الغرب لن يأبه كثيرا لمسألة الحقوق المدنية والسياسية التي تُترَك للإيرانيين وحدهم.

2- الادعاء الغربي بالرغبة في الحوار مع البلد لإقناعه بلجم مشروعه النووي، والتآمر عليه داخليا وخارجيا في الوقت ذاته، هو ما يطلق عليه اسم لعبة الدول. يريدون إضعافه في المفاوضات، ولن يذرفوا دمعة إذا سقط بالمناسبة.

ولكن عُقَّال المؤسسات الحاكمة يعلمون أن إيران سوف تجتاز الأزمة. ولذلك يريدون التوقف قبل تطور رد فعل إيراني على التدخل الحالي، يتجسد في التصلب في المفاوضات، والتسبب بأوجاع رأس لأميركا في ملفات أخرى معقدة أصبح لإيران دور فيها.

3- ولا بد من التذكير أن من "المتعاطفين" مع الاحتجاج في إيران من دعوا لقصف إيران. لم يكن لديهم مانع من قصف نفس هؤلاء المتظاهرين وعائلاتهم من طائرات لن تميز بين الإصلاحي والمحافظ. يتظاهرون بالتأثر لصورة فتاة سقطت مدماة برصاص قمع المظاهرات، ولكنهم قتلوا الملايين في العراق وأفغانستان وفلسطين ولبنان. وما زالوا حتى هذه اللحظة يدعون لقصف إيران، أي لقتل الآلاف مثلها في طهران نفسها.

جون ماكين أنشد عمليا وعلى الملأ "اقصفوا، اقصفوا، اقصفوا إيران" أثناء حملته الانتخابية. وحين كان عمدة نيويورك السابق جولياني مرشحا للرئاسة فضَّل أن تتم الضربة بالسلاح التقليدي، ولكنه لم يستثن إمكانية استخدام سلاح نووي في ضرب إيران (موقع سي إن إن 5 حزيران 2007). كم فتاة بجينز وبجلباب، بشادور وبدون شادور، كان هذا التافه على استعداد أن يقتل؟

"
قد تعمم الشبكة مقالة ممتازة وموثقة لمدون مغمور ما كان الإعلام الرئيسي ليسمح بنشرها، وقد تعمم الجهل والهستيريا مثل أي "ميديا"
"
4- الخبر الأكثر أهمية في هذه الأثناء هو دخول دينيس روس (إياه) البيت الأبيض مستشارا لهذه الشؤون بعد أن عينته كلينتون مسؤول الملف في الخارجية. وهو الذي عمل طوال الحملة الانتخابية الرئاسية من قبل اللوبي الإسرائيلي لإقناع حملتي أوباما وماكين بالتوقيع على بيان تعهّد بمنع إيران من التمكن من إنتاج سلاح نووي في حالة الفوز بالرئاسة.

وقد وقع مركزا الحملتين في حينه فعلا على بيان كهذا. وبعدما نشرت كافة الأجهزة الأمنية الأميركية في تقريرهاNIE, (National Intelligence Estimate) للعام 2007 باسم 16 جهازا أمنيا واستخباريا أميركيا (الذي حاول ديك تشيني منع نشره) استنتاجها أنه ليس لدى إيران خطط لإنتاج سلاح نووي، كتب المذكور مقالا في وول ستريت جورنال تحت عنوان "كل إنسان يجب أن يقلق بشأن إيران".

إنه نفس دينيس روس الذي يعلن صراحة أنه يؤمن بتصعيد العقوبات إلى درجة إقفال الممرات المائية أمام صادرات إيران من النفط، ثم الانتقال إلى قصف شامل يشل قدرة إيران على إنتاج أي تكنولوجيا ويعيدها عقودا إلى الوراء. إنه نفس المسؤول الأميركي الذي بدأ الحملة على ياسر عرفات بعد أوسلو مباشرة، وعرقل إعادة الجولان كاملا في مفاوضات جنيف، وُعيِّن من قبل الوكالة اليهودية رئيس لجنة لفحص العلاقة بين إسرائيل ويهود الشتات. سيكون هذا الرجل قريبا من أذن أوباما في الشأن الإيراني. هذا خبر!

5- نعرف جميعا بلدا عربيا كبيرا تحالف مع الغرب وانفتح اقتصاديا وعقد صلحا مع إسرائيل، وتغير نمط الحياة فيه فعلا، واتسعت فيه الهوة بين الغني والفقير، وتوسعت الحريات أيضا بالمناسبة. ولكن الغرب تعامل مع تزييف الانتخابات فيه كأنها "فُرجَة" لا أكثر.

وأقصد هنا كافة عناصر التزييف الممكنة: رفع نسبة التصويت اصطناعيا، وتزييف النتائج، واستخدام العنف. ونشرت صور ضرب المرشحين والمصوتين بالهري، يوم الانتخابات وقبله وبين جولتي الانتخابات. وأذكر صورة تحد لناشط من الحزب الحاكم وهو يدخل مئات الأصوات إلى الصندوق في غرفة وحده غير آبه.

6- لا داعي طبعا للتعليق على إعجاب نتنياهو بشجاعة المتظاهرين في طهران. ولكن حين تصبح "إيكونومست" الرصينة والنادرة الانفعال، المثابرة في دعمها حسابات رأس المال الباردة والخصخصة غير آبهةٍ بمعاناةِ أحد، عاطفيةً دون سابق إنذار فيجب أن نستنفر.

في عددها الأخير (20-26 يونيو/حزيران) تكتب وهي تغص بالدموع عن متظاهر لم يخرج من فمه بالإنجليزية سوى كلمة "فريدوم"، حرية. لا شيء يثير القلق أكثر من شاعرية ذي إيكونومست المفاجئة. ففي عددها هذا تتحدث عن تزوير لا بد أنه وقع، لأن فوز موسوي كان متوقعا.

وجدت نفسي أراجع عددها السابق الذي أغلق عشية الانتخابات، فلا أجد ولا حتى خبر، ناهيك عن مقال يذكر الانتخابات بإيران. ذهلت من هذا التدهور. فإذا كان فوز الإصلاحيين متوقعا كما تدعي بعد الانتخابات، هل أهملت مجلة جدية كهذه موضوع "الفوز المتوقع" برمته في ظرف مركزية إيران والخليج في الاقتصاد والأمن والسياسة بالنسبة للغرب؟ لا. ما كانت لتفوت أمرا كهذا.

7- أما مجلة تايم فتفرد صفحات لوصف الجوانب الإنسانية في حسين موسوي. فجأة تتكشف لها، وللقارئ طبعا، مواهبه كرسام ومهندس، وأن له منزلا وعائلة. وليس لأحمدي نجاد حديقة ومواهب وعائلة، ليس في تايم طبعا. علينا أن نتذكر أن موسوي -وهو رئيس حكومة سابق- كان متهما من قبل الأميركان بكل عناصر "الظلامية"، وبالوقوف وراء "الإرهاب" ضدهم في لبنان ومناطق أخرى في الثمانينيات.

8- نفس الإعلام الغربي بيَّض صفحة ياسر عرفات إلى درجة جائزة نوبل للسلام حين لزم، وحين لم يتابع بالاتجاه الذي يريدون عادوا لتشويه صورته وقتله سياسيا وحتى التمهيد لقتله جسديا. ويمكننا أن نتخيل نفس المسار لو فاز موسوي. ماذا لو توقف اندفاعه السياسي بالانفتاح على الغرب عند حد معين؟ كيف كانت نفس الصحافة ستخرج صوره من ماضيه الآخر "الإرهابي"؟

9- عن "تويتر" حدث ولا حرج. لدينا ماكينة إعلامية كانت قبل الأحداث في إيران تساوي 250 مليون دولار، وتجذب في العام استثمارات تقدر بنحو عشرين إلى ثلاثين مليون دولار في فترة ركود اقتصادي (كل هذا دون خطة اقتصادية معروفة، ودون دعاية تجارية واحدة).

وتتقاطع في سيرة نفس الأفراد عضوية في إدارتها وإدارة فيس بوك ويو تيوب وتقديم الاستشارة رسميا للخارجية الأميركية في كيفية استخدام "الإعلام البديل" في تعزيز سياستها في الشرق الأوسط (انظر نيو يوركر، 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2007). وطبعا بعض الأخوة المتحمسين بحق للإمكانيات التي يتيحها "الإعلام البديل" و"الإعلام الاجتماعي" يتحمسون لكل جديد، فكم بالحري حين يتقاطع الهاتف النقال أو المحمول مع الإنترنت؟

ولكن هنالك فرق بين مدونة لشاب أو مثقف تقدمي يبذل فيها جهدا في جمع معلومات وبلورة رأي للوصول إلى القراء متحديا الإعلام الممأسس من جهة، وشبكة ممولة لا يُعرَف من يشارك فيها من جهة أخرى.

تخاطب المشاركون حول إيران بالإنجليزية، ولم يمكن التثبت من منهم من إيران فعلا ومن يدعي ذلك. ونُشِرَت جملٌ قصيرة وشعارات، منها ما هو صحيح، ولكن نشر معه كم من الإشاعات دون تبيين المصدر وصحته، وتناقلوا الصور والأفلام وغيرها دون أي فحص لدقتها ولتاريخ تصويرها الفعلي. شارك إيرانيون بأعداد قليلة، وشارك إسرائيليون وأميركيون بأعداد أكبر بكثير، ومنهم من ادعي أنه إيراني.

"
بين وجود جزئي وغياب كامل للمواطن والأمة والدولة ليس العرب معرَّضين فقط لحملات إعلامية بل يذروهم أي نسيم إعلامي كأنه إعصار
"
وبالمجمل جرت ثورة عنكبوتية نيابة عن الإيرانيين بين كابوتشينو وآخر في منازل نبراسكا وأوكلاهوما. ولوضع الأمور في سياقها نذكِّر، أن ثلث الإيرانيين فقط يرتبط بالإنترنت، وأنه إذا كان في كندا المربوطة كلها بالشبكة 74% لم يسمعوا بـ"تويتر"، فكم من الإيرانيين سمع؟ لقد أحرجت جماعات من الشباب بهذه الطريقة الإعلام الرسمي بسبب تجاهله الاحتجاجات الإيرانية، وأجبرته على إعادة النظر. هذا صحيح. ولكن هذا لم يجعلهم مصدرا أفضل للمعلومات.

من ينشر ويعلك (وباختصار يوَتوِت من وَتْوَتَة، وبالإنجليزية "تويت" و"ري- تويت") أخبارا وأكاذيب، ويجتر إضافة لذلك دناءات إسرائيلية من نوع "شوهد مجندون من حزب الله وحماس يقمعون المتظاهرين في طهران"، على نفس الموجة التي نعرفها "الحرس الثوري الإيراني يحارب في غزة ولبنان"، لا يشكِّلُ إعلاما بديلا. فهو يجتر ويعمم نفس القاذورات على فئات لم تكن معرَّضة لها من الشباب الذين لا يتابعون الإعلام الممأسس. إنهم يعرِّضونَهم لنفس الأكاذيب برقابة أقل وهذا جيد، ولكن أيضا بدرجة مسؤولية ومهنية وفحص أقل.

قد تعمم الشبكة مقالة ممتازة وموثقة لمدون مغمور ما كان الإعلام الرئيسي ليسمح بنشرها، وقد تعمم الجهل والهستيريا مثل أي "ميديا". وبعض المواقع العربية والغربية هي مجمعات نفايات.

10- ليس هؤلاء نموذجا للمواطن الأميركي المهتم بما يجري. ونحن نجد على المدونات الكثير من المواطنين الأميركيين الحريصين على حقوق الإنسان وعلى دور أميركا، بمقالات موثقة ومعدة جديا عما يجري في إيران تنتقد إيران، ولكنها تنتقد أكثر دور بلادهم فيها.

امتحان المواطنة المدنية الأميركية ليس في الشبكات الممأسسة، حيث دخلت المؤسسة الأميركية الحاكمة ومالها، كما دخل الإسرائيليون بقوة. بل في مئات الملايين من المواطنين الأميركيين والأوروبيين الذين يعيشون حياتهم يوميا يمارسون حقوقا غير متاحة في بلادنا. ونعم، يقعون ضحية تدخل المشهد الإعلامي في تصميم رأيهم عن الدنيا، ولكن بعضهم يدافع عن حيّزه الخاص ضد هذه الشمولية، وبعضهم يساهم في الحيز العام في الدفاع عن الحقوق المدنية وعن جسد الإنسان وروحه وعن البيئة وعن المساواة ضد الشركات الكبرى التي لا تعرف إلاها غير الربح. وبعضهم يدافع أيضا عن الشعوب الأخرى ضد عدوانية بلاده. هنا المواطنة قائمة فعلا وتمارس.

ج

1- إذا كانت إيران الدولة الوطنية المنظمة بمؤسساتها تتعرض لمثل هذه الهجمة الإعلامية فتصمد وتحمي نفسها بمشروعها الوطني، فيمكننا أن نتخيل أثر ما تتعرض له أمة دون دول مثل الأمة العربية.

كل شيء عند العرب يصرخ بغياب الأمة والمواطن بنفس الدرجة. وأن تغييبهما لا ينتج دولة بل ينتج سلطة ورعية، وقبيلة وعشيرة وطائفة وأسرا حاكمة وزعامات وأتباعا. هنا ما زال الكاتبُ أو القائل يناقَشُ في أصله وفصله وهويته ومذهبة ومذهب أهله، وليس في مضمون قوله.

2- بين وجود جزئي وغياب كامل للمواطن والأمة والدولة ليس العرب معرَّضين فقط لحملات إعلامية بل يذروهم أي نسيم إعلامي كأنه إعصار. فتتفاوت الردود بين اجترار ما يقال في الغرب من "نيويورك تايمز" وحتى "تويتر"، وتسويق أية إشاعة إسرائيلية ترغب إسرائيل في نشرها بترجمتها إلى العربية وبثها في كل مكان من جهة، وردود الفعل العصبية الرافضة لأية معلومة أو رأي، دون فحص أو تمحيص من جهة أخرى.

المصدر: الجزيرة

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/31E73717-D9DC-4003-9054-FEE56F483720.htm